السيد كمال الحيدري

86

اللباب في تفسير الكتاب

أجزاء وأقسام متعدّدة ، وهذا هو الوجود التدريجي . ولعلّ هذين الاعتبارين هما منشأ التعبير عن نزول المطر تارةً بالإنزال كما في قوله : ( انزل من السماء ماء ) ( الأنعام : 99 ) ، وأخرى بالتنزيل كما في قوله : ( وَهُوَ الَّذِى يُنَزِّلُ الْغَيْثَ ) ( الشورى : 28 ) . إذا اتّضح ذلك نقول : إذا كان النظر إلى القرآن بالاعتبار الثاني ، فيأتي التعبير عنه بالتنزيل كما في قوله تعالى : ( نزل عليك الكتب بالحق ) ( آل عمران : 3 ) وأمّا إذا كان المقصود بيان بعض أوصاف وأحكام مجموع الكتاب النازل وخواصّه ، وهو أنّه مشتمل مثلًا على آيات محكمة وأُخر متشابهة ، أو أنّ لهذا الكتاب تأويلًا ونحو ذلك ، فالكتاب بهذا الاعتبار مأخوذ أمراً واحداً من غير نظر إلى تعدّد وتكثّر وأجزاء ، فالمناسب استعمال الإنزال دون التنزيل . ولعلّه لهذا قالت الآية : ( هُوَ الَّذِى أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ ) ( آل عمران : 7 ) . بعد هذه التوطئة يمكن الوقوف على المحكم والمتشابه في القرآن من خلال عدّة أبحاث : البحث الأوّل : معنى المحكم والمتشابه في القرآن للإحكام والتشابه إطلاقان في النصّ القرآني ، وقبل بيانهما لا بأس بالإشارة إلى المعنى اللغوي للمحكم . ذكر اللغويّون أنّ مادّة « ح ، ك ، م » تفيد معنى كون الشئ بحيث يمنع ورود ما يفسده أو يبعّضه أو يخلّ أمره عليه ، ومنه الإحكام والتحكيم ، والتحكّم والحكومة ، والحكم بمعنى القضاء ، والحِكمة بمعنى المعرفة التامّة والعلم الجازم النافع ، والحَكَمة بفتح الحاء والكاف : لجام الفرس أو حديدة فيه ، تمنعه عن الجرى الشديد أو مخالفة راكبه . ففي الجميع شئ من معنى المنع والإتقان .